صديق الحسيني القنوجي البخاري

598

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعنه قال بعث اللّه يونس إلى أهل قريته فردوا عليه ما جاءهم به فامتنعوا منه ، فلما فعلوا ذلك أوحى اللّه إليه أني مرسل إليهم العذاب في يوم كذا وكذا فأخرج من بين أظهرهم فأعلم قومه الذي وعد اللّه من عذابه إياهم فقالوا : ارمقوه فإن خرج من بين أظهركم فهو واللّه كائن ما وعدكم ، فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها أدلج فرآه القوم فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى اللّه وأنابوا واستقالوا فأقالهم اللّه وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مرّ به مار ، فقال : ما فعل أهل القرية ؟ قال : إن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب فخرجوا من القرية إلى براز من الأرض ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها ، ثم عجوا إلى اللّه وتابوا فتقبل منهم ، وأخر عنهم العذاب ، فقال يونس عند ذلك : لا أرجع إليهم كذابا أبدا ، ومضى على وجهه . أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم . ومعنى هذه المساهمة أن يونس لما ركب السفينة احتبست . فقال الملاحون ههنا عبد أبق من سيده وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري ، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس . فقال : أنا الآبق وزج نفسه في الماء وقد قدمنا الكلام على قصته وما روي فيها في سورة يونس فلا نكرره . فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ يقال : لقمت اللقمة والتقمتها إذا ابتلعتها أي فابتلعه الحوت ومعنى وَهُوَ مُلِيمٌ هو مستحق للوم ، يقال رجل مليم إذا أتى بما يلام عليه . وأما الملوم فهو الذي يلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا ، وقيل : المليم المعيب يقال : ألام الرجل إذا عمل شيئا صار به معيبا ، وقيل : داخل في الملامة ، وقال ابن عباس : المليم المسئ قال سعيد بن جبير لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت . فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ أي الذاكرين للّه أو المصلين له أو من القائلين لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الآية ، وقيل : من العابدين ، وقال ابن عباس : كل تسبيح في القرآن فهو صلاة ، وقال الحسن : ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا فشكر اللّه تعالى له طاعته القديمة . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم البعث وقيل للبث في بطنه حيا ، واختلف المفسرون كم أقام في بطن الحوت ؟ فقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان : أربعين يوما ، وقال الضحاك : عشرين يوما ، وقال عطاء : سبعة أيام ، وقال مقاتل بن حيان : ثلاثة أيام ، وقيل : ساعة واحدة ؛ وقيل : التقمة ضحى ولفظه عشية وفي هذه الآية ترغيب في ذكر اللّه وتنشيط للذاكرين له .